القرطبي

284

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام ، والقرآن يشهد له قال الله تعالى : " وعلم آدم الأسماء كلها " [ البقرة : 31 ] واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة ) وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام . وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم . وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل ، على ما تقدم ، والله أعلم . قوله تعالى : ( هؤلاء ) لفظ مبني على الكسر . ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر ، قال الأعشى : هؤلاء ثم هؤلاء كلا أعطيت * نعالا محذوة بمثال ومن العرب من يقول : هؤلاء ، فيحذف الألف والهمزة ( 1 ) . السادسة - قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) شرط ، والجواب محذوف تقديره : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني ، قاله المبرد . ومعنى " صادقين " عالمين ، ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا : " سبحانك " ! حكاه النقاش قال : ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الانباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له : " كم لبثت " فلم يشترط عليه الإصابة ، فقال ولم يصب ولم يعنف ، وهذا بين لا خفاء فيه . وحكى الطبري وأبو عبيد : أن بعض المفسرين قال إن معنى " إن كنتم " : إذ كنتم ، وقالا : هذا خطأ . و " أنبئوني " معناه أخبروني . والنبأ : الخبر ، ومنه النبئ بالهمز ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ( 2 ) . السابعة - قال بعض العلماء : يخرج من هذا الامر بالانباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون . وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف وإنما

--> ( 1 ) في البحر لأبي حيان ( بحذف ألف ها وهمزة أولاء وإقرار الواو التي بعد تلك الهمزة ) . ( 2 ) في قوله تعالى : ( ويقتلون النبيين بغير الحق . . . . ) راجع ص 431 من هذا الجزء .